ابن كثير
121
البداية والنهاية
المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا " باسمك اللهم " ، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة ( 1 ) . فشلت يده فيما يزعمون . قال ابن هشام : وذكر بعض أهل العلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب : " يا عم إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان " . فقال أربك أخبرك بهذا ؟ قال " نعم " ! قال فوالله ما يدخل عليك أحد ، ثم خرج إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا ، فهلم صحيفتكم ، فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها ، وإن كان كاذبا دفعت إليكم ابن أخي . فقال القوم : قد رضينا فتعاقدوا على ذلك ، ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شرا . فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا . قال ابن إسحاق : فلما مزقت وبطل ما فيها ، قال أبو طالب ، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم : ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود ( 2 ) فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر * فبطائرها في رأسها يتردد ( 3 ) وكانت كفاء وقعة بأثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر ترعد ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيها عند ذاك وينجد ( 4 ) فمن ينش من حضار مكة عزة * فعزتنا في بطن مكة أتلد نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفك نزداد خيرا ونحمد
--> ( 1 ) قال السهيلي : وللنساب من قريش في كاتب الصحيفة قولان ، أحدهما : إن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد الدار ، والقول الثاني : أنه منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم من بني عبد الدار أيضا ، وهو خلاف قول ابن إسحاق ، ولم يذكر الزبير في كاتب الصحيفة غير هذين القولين ، والزبيريون أعلم بأنساب قومهم . ( 2 ) بحرينا : قال السهيلي : يعني الذين بأرض الحبشة ، والذين هاجروا إليها من المسلمين في البحر ، وأرود : أرفق . ( 3 ) القرقر : اللين السهل ، يتردد : المراد حظها من الشؤم والشر . ( 4 ) أيتهم : أي يأتي تهامة ، وينجد : أتى نجدا . وبعده في السيرة : وتصعد بين الأخشبين كتيبة * لها حدج سهم وقوس ومرهد